الرئيسية / أوتار / أوتار أدبية / نغم| ~ أشرف فياض.. هزيمة لكل شيء ~|بندر خليل – كاتب وصحفي مستقل من السعودية.

نغم| ~ أشرف فياض.. هزيمة لكل شيء ~|بندر خليل – كاتب وصحفي مستقل من السعودية.

 

 أشرف فياض.. هزيمة لكل شيء

author image
25 نوفمبر 2015

أشرف فياض.. هزيمة لكل شيء

بندر خليل – كاتب وصحفي مستقل من السعودية.

4,023

 
 

إنني غاضب وحزين جدًا وأشعر بالعار. غاضب من أجل حق يضيع على الإنسان. وحزين على بلد تتآكل بفعل حقيقة وجود دولة داخل دولة، وقانون داخل قانون، وغابة داخل غابة. لا أعتقد أن هناك قصة تتفوق مأساويتها على قصة أشرف فياض. فمن مثله قد جمع كل هذا في روح عاصفة بالأسى: شاعر وفنان ولاجئ وسجين محكوم بالقتل!

تقول قصة أشرف فياض أن هناك دولة داخل دولة، وقانونًا داخل قانون، وغابة داخل غابة

عرفت أشرف فياض في مطلع العام 2007 وكان سمينًا جدًا، وتبدو عليه سمات الارتياح النفسي. وذلك حين جمعني به الشاعر الجميل محمد خضر بأحد مقاهي أبها. حينها فرحت كثيرًا بهذه الإضافة لمدينتي. فقد أهداني وقتها نسخة من ديوانه الإشكالي “التعليمات بالداخل”، وكان شعره يوحي بتجربة أبهاوية شعرية رائعة، رغم أن قراءتي لنصوص الديوان اليوم اختلفت، وصرت أرى مثالبه وضعفه الفني بعين صافية، أو بالأحرى أكثر صفاء.

في عام 2012 اجتمعت أنا ومجموعة من الفنانين في أبها. منهم أحمد ماطر وإبراهيم أبو مسمار وعبدالكريم قاسم وأشرف فياض. وقررنا أن ننفذ فكرة السينما السرية. وهي نوع غير تجاري من السينما، ظهر في العديد من الأقطار الأوروبية لمجابهة السينما التجارية التقليدية. وامتازت بمكان عرضها غير المتوقع، كالشوارع والساحات العامة. وبعد تحديد المكان والزمان والعمل المعروض، وكان لأحمد ماطر، بدأنا في دعوة الحضور، وكنا قد اتفقنا على أن يكون الحضور من نخبة الشباب المثقف المطلع الذي لا يستعدي الفن والجمال. 

وقد كان ذلك بالفعل. وتم العرض. وفي اليوم التالي طالعتنا صحيفة “الغارديان” البريطانية بتقرير مفصل عن العرض، وبأنها ثورة سينمائية في السعودية. حينها علمت بأن تدبير القصة كلها كان من أجل ظهور هذا التقرير المصنوع وليس من أجل أي شيء آخر، وذلك بالاتفاق مع محرر الجريدة وأحد الرفاق في المجموعة.

في ليلة العرض، خرج أحد الشباب المراهقين للمشاركة في الندوة المفتوحة التي أقمناها بعد عرض الفيلم. وكانت لغته الوعظية مقززة للغاية، رغم أن مظهره كان يميل إلى الحداثة والمعاصرة. قلت في نفسي حينها، ماذا يريد هذا الصغير من محاضرته الوعظية هذه التي لا مكان لها في الفن ولا في هذا المكان؟ إنه يفسر العمل السينمائي تفسيرًا وعظيًا يكاد يجعلني أتقيأ. هذا الشاب هو نفسه الذي وشى بأشرف فياض بعد تلك الليلة ببضعة أشهر، وكان جزءًا من المكيدة التي أوصلته اليوم إلى القتل.

وحين كان أشرف في المقهى الذي يسهر فيه بشكل يومي، وكان ذلك الشاب النزق ضمن المجموعة، بدأت بينهما مماحكة كان من الواضح أن الشاب النزق يفتعلها افتعالًا بشكل مستفز للغاية، حتى أوشك أشرف أن يعالج الأمر بيده. لكن الشاب النزق، الداعشي من الداخل، والدخيل على الفن والجمال، قد هدد أشرف حينها بأنه سيعيده إلى غزة! لقد جرح أشرف كما يجرح النسر حينها. وكاد يبكي دمًا لغبنه وحسرته على واقع لا يملك حياله أي شيء.

الحكم بقتل شاعر فلسطيني لاجئ بسبب كلمات قد نسي أنه كاتبها وصاحبها، لهو أمرٌ بالغ المأساوية والهزيمة

في اليوم التالي ، ولم يكن قد خطر ببال أحد أن ذلك الشاب كان جادًا في تهديداته. حتى اقتحمت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المقهى. وقبضت على أشرف كما يُقبض على المجرمين. لكنه بعد يوم واحد، خرج من التوقيف بريئًا لعدم ثبوت الأدلة على تهمة نشر الإلحاد. لكن رجل هيئة الأمر بالمعروف الذي تولى هذه القضية هو نفسه يعمل محققًا في هيئة التحقيق والادعاء العام! في خلط رهيب بين السلطات يكشف لنا حقيقة الدولة التي هي داخل دولة! الأمر الذي جعله يدعو الشاب ويأمره بأن يتقدم بدعوى من قارئ تجاه ديوان أشرف، يتهمه فيها بالإلحاد وبالإساءة إلى الذات الإلهية، وهو ما حصل بالفعل.

حينها تم استدعاء أشرف بعد أشهر من الاعتقال الأول، من قبل هيئة التحقيق والادعاء العام في عسير. ومنذ ذلك الحين أودع أشرف السجن وتم حكمه غيابيًا وهو في السجن بالسجن والجلد، لكنه اعترض وطلب الاستئناف، ليأتيه الحكم صاعقًا قبل نحو أسبوع بحد القتل!

لقد أخبرني أشرف بشكل شخصي، أن الشاب النزق لم يكن يتصرف من تلقاء نفسه، بل كان هناك من يوعز إليه بذلك، وهو أحد رفاق أشرف الذين يعملون في مجاله الفني من أبناء المنطقة. ولكن هذه الاتهامات التي لا يمكن إثباتها، الآن على الأقل، يصعب الخوض فيها، وفي تفاصيلها وخلفياتها، غير أن الحكم بقتل شاعر فلسطيني لاجئ بسبب كلمات قد نسي أنه كاتبها وصاحبها، لهو أمر بالغ المأساوية والهزيمة. إنها هزيمة للكلمة، هزيمة للحرية، هزيمة للإنسانية، هزيمة للحق، هزيمة للجمال، هزيمة للعدل، هزيمة لكل القيم الإنسانية التي بلغها الإنسان في هذا العصر، هزيمة للأمل وللكلام.. هزيمة للشعر وللفن ولكل شيء..

وأنا، في هذه الهزيمة، لا أملك إلا أن أشعر بالمزيد من الحزن .. والعار.

اقرأ/ي أيضًا:

أشرف فياض.. التحرّش بالذات الإلهية!

 

 

أشرف فياض.. التحرّش بالذات الإلهية!

author image
22 نوفمبر 2015

أشرف فياض.. التحرّش بالذات الإلهية!

رامي العاشق – شاعر وكاتب وصحفي من فلسطين/ سوريا

3,036

 
 

أثارتْ قضيّة الحكم بالإعدام على الشاعر والتشكيلي الفلسطيني أشرف فيّاض بتهمة “التحرّش بالذات الإلهية”، في السعودية، ضجّة كبيرةً في محاولة إيقاف الحكم، وامتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات المطالبة بالحرية على هاشتاغ #أشرف_فياض، وتفاوتت ردّات الفعل بين السخرية من الحكم، وبين الغضب والسخط، وذهب الناس إلى النبش في كتاب فياض “التعليمات في الداخل” الصادر عام 2008 عن دار الفارابي- بيروت، لتبحث فيه عما نسب إليه من تهم مثل الدعوة إلى الإلحاد وإنكار وجود الله، إلّا إنهم لم يجدوا شيئًا!

إعدام بعد الاستئناف

الصمت تجاه احتجاز فياض إهانة للمعرفة، الأدب، الثقافة، والفكر، وكذلك للحرية وحقوق الإنسان

كان أشرف فياض قد ألقي القبض عليه في كانون الثاني/ يناير 2014 في مدينة أبها، جنوب غرب السعودية، وصدر عليه حكم بالسجن أربع سنوات مع الجلد ثمانمائة جلدة في نيسان/أبريل 2014، ثم تم استئناف الحكم، وصدر حكم الاستئناف منذ أيام في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر بإثبات الردّة ونشر الإلحاد وعقوبة الإعدام!

السبب الحقيقي لاعتقال فياض

وتضاربت الأنباء حول السبب الحقيقي لاعتقال فياض، حيث ذكر والده في مقابلة صحفية على قناة فرانس 24 أن ابنه اعتقل من المقهى بعد مشادّة كلاميّة بينه وبين أحد أصدقائه على إثر مباراةٍ لكرة القدم، هدده صديقه أثناءها بالترحيل من السعودية ووضعه في السجن بحكم علاقته الوطيدة مع جماعة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، أي أنّ الدعوى كيديّة وباطلة ولا أساس لها من الصحّة، فيما تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي ما سمّوه “السبب الحقيقي لاعتقال فياض”، وهو فيديو نسب لفياض تصويره، وهو يوثّق اعتداء جماعة الأمر بالمعروف على طفل وتعنيفه، كلا الأمرين محتمل إلّا أن الثاني أكثر منطقيّة ربّما.

منظمة العفو الدولية تطالب بالإفراج الفوري

في سياق الحملة المطالبة بالإفراج عن فياض، أصدرت منظمة العفو الدولية بيانها بخصوص حكم الإعدام الصادر بحقه، وتبنّت آفاز تحويله إلى عريضة لجمع خمسمائة توقيع، وجاء في البيان: “رفضت طلبات الزيارة والتمثيل القانوني للشاعر، ونحن ندين هذه الأعمال التي تستهدف ترهيب أشرف فياض كجزء من حملة أوسع للتحريض على الكراهية تجاه الكتّاب، واستخدام الإسلام لتبرير القمع وسحق حرية التعبير، نعرب عن تضامننا مع فياض، على أمل زيادة الدعم للشاعر، وكذلك الضغط للإفراج عنه”، وأضاف البيان: “نحن ندعو المثقفين والفنانين السعوديين بشكل خاص للتعبير عن التضامن مع فياض ضد ممارسات التخويف التي يقوم بها التكفيريّون، والتي تهدف إلى إسكات الشعراء والمبدعين، الصمت تجاه احتجاز فياض إهانة للمعرفة، الأدب، الثقافة، والفكر، وكذلك للحرية وحقوق الإنسان”.

تهمة مبتكرة!

منذ محاكم التفتيش، إلى الديكتاتوريات الشمولية، إلى “الدولة الإسلامية”، إلى السعودية؛ لا تزال تهم التجديف هي ذاتها

منذ محاكم التفتيش وسلطة الكنيسة وتهم التجديف وازدراء الأديان، إلى الديكتاتوريات الشمولية وتهم المساس بهيبة الدولة، إلى “الدولة الإسلامية” التي تقطع الرؤوس بتهمة الردّة، إلى السعودية وتهم التحرش بالذات الإلهية! العقلية ذاتها، الاسم اختلف. قتل المختلف وترهيب الذين يمكن أن يتبعوه، واستعمال شعاراتٍ كبرى وفضفاضة لها علاقة بمقدسات ومحظورات كالله والدولة!، فأي دولة تلك التي تضعف هيبتها من رأي مواطن؟ كذلك كانت تعليقات الناس على مواقع التواصل: “كيف يمكن التحرّش بالذات الإلهية؟/ التهمة بحد ذاتها إساءة للذات الإلهية/ مالفرق بينكم وبين داعش؟/ لأول مرّة يلقى القبض على متحرّش دون أن يطعن في شرف المتحرّش بها!/ أب يتحرّش بابنته ويغتصبها فيخرج بمناصحة، وشاعر يعدم بتهمة التحرّش بالذات الإلهية! فقط في #السعودية”.

أما فياض وبعيدًا عن هذا اللغط الذي يدور حوله وهو صامتٌ في زنزانته، يعود بالزمن أربعة عشر عامًا، فيتنبّأ بالمنفى شاعرًا، وينظّر للجنة من وجهة نظر فلسطينيّة، ويقول في قصيدته

“المبشرون بالمنفى” التي كتبت عام 2002:
“المنفى يتحضر لاستقبال البعض/ في المنفى سلمٌ وهدوءٌ/ تجدون الجنة في المنفى!/ الجنة/ في عبق اللوز ورائحة الليمون/ الجنة في حبات تراب تفهم لغتي/ تدرك كم أعشقها./ الجنة في رائحة الحقل البائر/ في أصوات ثكالى يندبن الزوج وفقد الابن/ الجنة في قلب الأم وعين الطفل المتيتم./ الجنة../ أن أطلي بدمائي جدران البيت./أن تُقرع أجراس المهد../ وتقام صلاة الجمعة تحت سماء الحرية./ الجنة في قلبي../ أحملها للمنفى”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*