الرئيسية / عراق الحب والابداع / نغم … العوصية … بقلم القاصة هيام جابر

نغم … العوصية … بقلم القاصة هيام جابر

العوصية

بدأت السيارة تتأرجح يمنة و يسرة، تحت وطأة الحمولة الكثيرة التي تقلها، من اشخاص و من حاجياتهم التي يتسوقونها كلما ذهبوا للمدينة،
و نظرآ لانها سيارة القرية الوحيدة و لانها لا تذهب الا مرتين في الاسبوع، فقد كانت تنوء بالاثقال كل رحلة لها،
علامات الاستغراب و الهم، كانت ترتسم على وجه الاستاذ ياسر، الذي تعين في مدرسة القرية، إنه ابن مدينة دمشق الذي لم يتعود على هذه المشاهد في مدينته المتربعة على ضفاف نهر بردى…
عاش في اسرته المتوسطة الدخل، الا أنه لم يكن يدرك أن هناك أبعد من ارياف دمشق و ضواحيها التي تكاد تضاهي المدن، بحجمها و توفر خدماتها ليلا نهارا،
تعالت صيحات السائق و شتائمه، التي أصبحت عرفآ بين سائقي السيارات، و خاصة امثاله، الذين يدركون حاجة الناس لهم، مهما بدر منهم من اسفاف.
كانت نرجس تجلس بقربه، فقد تعمد الا يبقى لها مكانآ الا هذا، و كان يستغل تأرجح سيارته ليلامس جسدها، هي التي تتكور جاهدة للابتعاد عنه، و الاستاذ ياسر يسجل في رأسه ما يجري مذهولا..
ها قد مضى ثلاث ساعات على الانطلاق من دمشق، و ها هي مشارف قرية – العويصة- تبدو مشرأبة تلوح هضابها ، و هي تستحم بحر الاول من ايلول،
الجميع يتهيأ للنزول،
نزل الاستاذ ياسر و هو يمشي التوئدة، كهائم لا يدري وجهته،
قالوا له في مديرية التربية، اذهب للمختار و هو سيتولى امرك،
و بعد أن استدل على المختار… شيء ما، خرج من عيني المختار، شيء يشبه لئم الثعالب، جعل ياسر يقرر دون تردد أنه لن يتعامل مع هذا الماكر،
و بعد الاستدلال على المدرسة ، حيث سيسكن و يعلم، تعرف على شخصا، اثاره فيه بلطجيته،
تابعه، تقرب منه، ليتعرف بشخص، ظاهره بلطجي، اما خفاياه، فمليئة بإنسان مثقف، ينهل من كل المعارف، انسان كريم النفس و اليد، انه عرفان.. الفار من قرية بعيدة لمشاجرة قام بها و تسببت بمقتل احد الاقارن.
بدأ عرفان يعرفه على بعض الاصدقاء الذين يذهب دائما للسهر عندهم…
كانت أم ياسين احد اهم اصدقائه، تلك الارملة التي لم تبلغ من العمر الاربعين عاما، و ام ذاك الشاب العشريني، الذي يعمل جاسوسآ للمختار، دون علم أمه.
توالت الايام و تعود الاستاذ ياسر على حياة القرية البسيطة و سكن اغلب وقته مع عرفان، في بيت متواضع من الطين، تظلله بعض الاشجار.
و تعود اكثر على السهر عند ام ياسين برفقة صديقه المقرب.
و ما ان انقضت شهور من السنة حتى برق بذهنه خاطرآ،
” لما لا تتزوج ام ياسين من عرفان!!. .. لا زالت شابة و جميلة و ذات رفعة و ذوق؟”
عرض الامر على عرفان.. و اغلب الظن ان عرفان تستهويه هذه المرأة.. الا انه الشاب العازب الفار من قريته، كيف سيتزوج بأرملة… و كيف سيبقى بعيدآ عن قريته ان تزوجها…
كانت هذه الافكار، تدور بخلده، و تجعله يحجم عن مجرد التقدم و لو بخطوة لأم ياسين…
لعب الاستاذ ياسر دورآ مهما في تقريب و تقبل الفكرة لدى كل من ام ياسين و عرفان، الى أن تكللت مساعيه بالنجاح،
بعد ايام عدة من الزواج، خرج عرفان لعمله، فقد كان واجبه يقتضي التنقل بين كمائن، يحفرها مع رقاقه لمراقبة لصوصا، يعبرون النهر الفاصل بين القرية و بقايا قرية بائدة، اتخذها اللصوص اوكارآ للانطلاق منها في اعمالهم الاجرامية، فقد كانوا مسلحين، مدربين على القتل عند الضرورة.. ، في ذلك اليوم كان حماس عرفان كبيرا، فقد احس بمسوؤلية جديدة تجاه الزوجة،
استقر في احدى الكمائن تلك الليلة، مترقبآ و ما هي الا سويعات و اذا بصفارة الانذار، تنبأ عن خطر….
تبين له أن اللصوص قادمون و بأعداد كبيرة…
استعد، و استعد رفاقه… و جرى ما يشبه المعركة بين الطرفين….
كان لا بد من الخسائر بعد دحر اللصوص،
تفقد عرفان مكان الدم الذي يسيل….
إنه من الصدر… سيفارق الحياة، و لكن سيبقى للصباح جثة، لا يجرؤ احدآ على الاقتراب منه، خشية ارتدادات مثل هذه المناوشات كما جرت العادة،
و لكن لااااااا…
تصرخ أم ياسين التي وصلها النبأ من الاستاذ، الذي كان في الخط الخلفي الاكثر امانا من مكان عرفان..
لا….
لن يبقى للصباح….
استيقظت القرية صباحا، لتستقبل شهيدآ تفانى في خدمة الجميع،
محملا على كتفي امرأة اربعينية،

14502983_1140120549402011_2548584190620620957_n

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*