الرئيسية / أغادير وأغاريد / أنتقام وانتحار … بقلم د. المفرجي الحسيني

أنتقام وانتحار … بقلم د. المفرجي الحسيني

انـــــتقام وانـــــتحار
———————–
زفَّ مرض خبيث حبيبَ صباها إلى الموت، أرادت لفرحها أن يكون بسيطاً، بعدما أخذت موافقة أهلها لخطبته، بكت وأجهشت بالبكاء
ذرفت دموعاً غسلت كل الأحزان، توسلت بالموت أن يعيد لها حبيبها، الموت لا يعرف ولا يشعر بالتوسلات، هل لوث الحزن عقلها؟
هل صدمة الموت أزلَّت روحها؟ تحاور نفسها أنه خائن تركها تعاني ألم الفراق، قررت الزواج من أي شخص يعاكس بالتمام حبيبها الراحل، أكبر عمراً جشع في الحصول على المال، قالت في نفسها «انتقام وانتحار».
أنا ابنة عمها وصديقتها حاولت مراراً أن أثنيها عما تفعل، أبت جداً واستعصت! حفلة الخطوبة كلا كانت مذبحة للعواطف. ذبحت صديقتي حبها وعواطفها، لم أطق الموقف وخرجت على غير هدىً، صادفت رجلاً عجوزاً متوسط القامة، ملابسه نظيفة يقف متكأً على سياج الجسر في منتصفه بالذات، يطلق لصوته العنان صوتاً حنوناً رخيماً بأغنية حزينة، يلقي نظرة تارة على مياه النهر المنساب وأخرى على المارّة، لا يمد يده الناس تضع في جيب معطفه النقود، الناس يعرفونه هو والجسر واحد رقصتهما واحدة، تجاوزته بضع خطوات اتكأت بكلتا يديَّ على سياج الجسر، أحاكي الماء المنساب أسرق النظر إلى الرجل الكهل الأنيق
صوته الرخيم وأغنيته الحزينة كانسياب ماء النهر الحزين، كَفّ عن الغناء ثم عكف وسار الهونا باتجاهي، لم أبدد الفرصة بلطف يخبرني عن قصة الأغنية الحزينة، أين يسكن قال لي بابتسامة جذلة قليلاً ما سنصل إلى سكني، بقايا أنبوب كبير تحت الجسر فراشه ودثاره أسمال بالية، أما أنا هذه حالي منذ خمس وثلاثين سنة مضت، كنت جالساً على جدول ماء في أحد الحقول، وأغني بعضاً من الأغنية التي أرددها كل يوم
ساهماً مع الكلمات وأصوات طيور البرية تردد معي، فوجئت بنور يشرق أمام وجهي، ضحكة ناعسة وآهات معها، : لو يكون اللحن هكذا الكلمات تستبدل يليق بصوتك الجميل، فعلاً فعلت ما قالت لي تلك الفتاة «البرية الجميلة»، غابت عني بين الشجيرات اليوم الآخر انتظرت ولم تمرّ، مرّ شهر لم تمرّ، شغفت بها حباً. ذات يوم وأنا في نفس المكان نعش يمر من أمامي، خلفه يرددون نفس اللحن بدل النواح والبكاء هي في النعش، ابنة شيخ إحدى القرى مصابة بمرض عضال، قبل أن تفارق الحياة طلبت من الشيخ، لا بكاء وأن يرددوا خلف جنازتها الأغنية واللحن الذي غنيته، ها أنا ذا بهذا العمر أنتظر قدومها عبر مياه النهر المنساب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*